الهجوم اللا مسؤول الذي يشنه بعضهم - ومنهم من يسمون انفسهم بالحقوقيات والحقوقيين السودانيين - على مصر تفوح منه رائحة العنصرية!
وليس هذا وحسب، بل أحسب آنه يفتقر للعقلانية والشعور بالمسؤولية. ليس معنى هذا أنني أصادر على حق آحد في ذكر التجاوزات وانتقاد أوجه الخطأ التي قد يرّون أنها ارتكبت بحق أهلنا من الأشقاء السودانيين، سواء هناك في الوطن الآم أو هنا في وطنهم الثاني. مصر هي وطن لكل الأشقاء (رغم سخرية الكاتبة السودانية نفيسة حجر) وستبقى كذلك، فلا سلطة تستطيع تجاوز هذا المفهوم آو تغييره او رفضه، كما أنه ليس من خصائص هذا الشعب وسماته آن يغلق أبوابه في وجه أحد.
مثل هذا الهجوم الذي يثير الحنق والشعور بالغضب والإهانة.. اختلط الحابل بالنابل فيه. فكثير منه للأسف تجاوز أشخاصه لينسحب على الشعب المصري وليس على السلطة فقط. بات الكل في مرمي النيران!
كلمات تقطر سما.. تنتهي حروب وأزمات وكوارث وتبقى هي بغير إزالة آثارها.. هو عدوان على شعب يمارسه بعض ذوي العاهات الفكرية الذين لا يفكرون أبعد مما هو تحت أقدامهم.
الكتابة عن حوادث بعينها وقعت سواء في شارع آو في قسم شرطة ونحو ذلك، لا يجب أن تؤخذ كحقائق مسلم بها دونما تحقق. ويتوجب التوثق منها عبر المفوضية المعنية بشؤون المقيمين والقنوات الدبلوماسية والشخصيات السودانية المرجعية.. أما تأليب الناس خصوصا المصريين على السلطة المصرية بزعم انها تنتهك حقوق المقيمين وأن تعاملها معهم يفضي إلى نتائج وخيمة، فإن ترديد هذا الكلام يضع الشعب كله في مرمي الاتهام، مرة لأنه سكت ولم يردع سلطاته عن الانتهاكات، ومرة أخري لانه هو ذاته بحسب هذا الهجوم اللا مسؤول عنصري يغض الطرف - أو يرضى آو لا يهتم - بما يحدث على أرضه لشعب شقيق!
المحامية الحقوقية رحاب مبارك عرفتها منذ عام تقريبا في قاعة ندوات الحزب الاشتراكي الذي يرأسه زميلنا مدحت الزاهد. كانت عائدة حديثا من ارض الخوف والحرب والدموع، وراحت تتحدث بكل ما أوتيت من آلم عن معاناة السودانيين من جانب المسؤولين المصريين على الحدود الذين يتحكمون في الدخول إلى الأراضي المصرية. حكت عن آشياء كانت تستحق الرد المهذب والتساؤل عن مدى موثوقيتها وصدقيتها، وكنت من بين الحضور، وساهمت تساؤلاتي عن مدى هذه الصدقية في الروايه، في كشف حقيقة الاتهامات، التي لم تعدو كونها رؤي شخصية .. انطباعية لا دليل عليها، فهولاء الذين يتحكمون في الدخول والخروج ليسوا فتوات أو قبضايات يعملون لحسابهم الخاص، ويملأون جيوبهم من أموال المطاردين المذعورين اللائذين بمصر، ممن فروا من جحيم الحرب والاقتتال. أنصتنا لحديثها المرسل عن انتهاكات مصرية تجري على حدود البلدين، وعلى إتاوات تفرضها بعض العناصر المصرية على دخول السودانيين البلاد! صاغت رؤيتها نصا كالتالي :"منع السودانيين من دخول مصر وهي جريمة ارتكبت في حق السودانيين من حكومة مصر بعد ان خالفت الاتفاقيات الدولية والتي من ضمنها اتفاقيه الحريات الأربعة، وخالفت القانون الدولي الإنساني وعرضت السودانيين لخطر محدق وقائم..
ثم استعرضت جرائم وانتهاكات قامت برصدها داخل السودان منذ بداية الحرب الدائرة وهي قائمه للأسف قابله للإضافة، وعن الانتهاكات والاعتداءات الجنسية فإن رحاب وصفتها "بأنها هي الجريمة الأسوأ والاكثر بشاعة وارتكبت من الجانين إضافه الي معتادي الاجرام الذين خرجوا حديثا من السجون وانتهكت للأسف اعراض كل الفئات من الجنسين اضافه لأجانب رصدنا حالات اغتصاب لنساء طاعنات في السن اضافه لطفلات وللأسف ارتكبت هذه الجريمة بصوره بشعه جدا ومكرره ويوميه في محيط الجنينة وكتم والخرطوم . حرق القري والمدنيين بداخلها ارتكبت هذه الجريمة بواسطه الجانبين ولكن الدعم السريع كانت دوما صاحبه الحظوة الاكبر في ارتكاب هذه الجرائم". هذه الكلمات بتوقيع المحامية وعضوه مجموعه محامي الطوارئ رحاب المبارك ...
تعاطفنا مع ماقالته رحاب عن الاغتصاب وبقر بطون النساء على أيدي الميلشيات، وكان طبيعيا ان ندين كل الانتهاكات التي تجري في أرجاء السودان، وفي فلسطين وفي كل بلدان العالم أن وجدت. لم ننكر عليها سوى حديثها المرسل عن الرشاوي ومنع البعض من دخول مصر وهو الذي تعوزه الأدلة! لم تقل رحاب آن المصريين عنصريون، وانما قالت ذلك أخريات، لاندري من أين واتتهم هذه الجرأة ليتهموا شعبًا عريقّا في الحضارة والتسامح والتعايش ويتسم بالتنوع والتعدد بهكذا اتهام، والادعاء بآن المصريين يتعالون على السودانيين، ويزعمون أنهم أشقاء لهم وما هم بأشقاء!! كلام لايرقى إلى مستوي النقد العقلاني المسئول، بل هي طلقات بندقية سريعة الطلقات!
ثمة محاولة للنيل من السلطة المصرية بشتى الطرق، ودغدغة مشاعر بعض المعارضين المصريين لها، بذكر وقائع مسيئة دونما تحقق أو تثبت ودونما تحقيق في ملابسات الوقائع والأحداث! محاولة خبيثة تخلط الأمور، فنحن نختلف مع السلطة في قضايانا الداخلية وكيفية معالجتها، لكننا في قضية الأمن القومي لا يمكن إلا أن نساند هذه السلطة. نحن معها ضد التهجير من غزة، وضد تقسيم السودان وليبيا وسوريا.. ولا يستطيع مسئول أيا كان موقعه أن يتصرف وفقا لأهواء ونوازع شخصية. نحن لا ننفي آن من بيننا عنصريين، يرفضون وجود اللاجئين - المقيمين العرب - في مصر، ويعبرون عن آرائهم تلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ولا ننكر أن من بيننا من يرد الهجوم الذي يشنه بعض الإخوة العرب في أقطار خليجية على سبيل المثال، وتنطلق حملات كراهية متبادلة بين هؤلاء العنصريين من الجانبين.. إنها طبيعة بشرية، فمثلما كان هناك الفاشيون والنازيون والمكارثيون يوجد العنصريون، لكن بالقطع هذا مجرد عدد قليل لا يؤثر في الوعي الجمعي العام.
بحسب التقديرات يترواح عدد الأشقاء السودانيين النازحين إلى مصر خلال العام 2025 بين 550-770 ألفا عاد إلى السودان منهم 164 ألفا.. في أتون محنة حرب داخلية وصراع شرس على السلطة، تعززه إيدي خارجية خبيثة.. تحاول بشتي السبل إبقاء هذا البلد العربي الجميل تحت قبضتها لنهب ثرواته ومقدراته. مرحبا بهم في بلدهم الثاني.
هذا ترحيب شعبي مصري عارم، نلمسه من غالبية المصريين، ربما يضيق بعض اشقائنا بممارسات السماسرة والانتهازيين من الطامحين للمال، يسلبونه من جيب السوداني أو المصري أو العربي عموما أو الأجنبي. مثل هؤلاء موجودون في السودان كما في مصر كما في غيرها. لكن أن تكتب نفيسة حجر مقالا بعنوان الرؤية من "ثقب الباب التاريخي" هي التي شكلت أزمة الوعي المصري تجاه السيادة السودانية.. فهذا ما يستوجب التفكير فيه ومناقشته، رغم مرارة كلماتها التي تقطر سما ينضح منها:
"على النخبة المصرية، ومن ورائها الشارع المثقل بالأوهام، أن يدركوا الحقيقةً المرّة فما تسمونه "دوراً مصرياً" في السودان ليس سوى ممارسة فجة لـ "سيكولوجية الوصي" الذي فقد مفاتيح البيت".
"لقد حان الوقت لتكف القاهرة عن استخدام لافتة "مصر الأخت الكبرى"؛ ففي القاموس السياسي المصري، لم تكن هذه العبارة يوماً تعبيراً عن المودة، بل كانت غطاءً دبلوماسياً لممارسة "الوصاية القسرية" ونهب الموارد واعاقة استقلال القرار في السودان" .
"إخوتوا (كما وردت في الأصل) المصريين اسمعوا وعوا، أزمة مصر الحقيقية تكمن في "ثقب الباب التاريخي" الذي (تصررون )على النظر عبره.(تركت الأخطاء كما هي في الأصل)
هذا الثقب الضيق الذي يزيّن لكم خرافة "التاج الواحد" فهو بمثابة عطب معرفي مخجل، فبينما كان السودانيون يبذلون الدم لانتزاع استقلالهم، كنتُم وما زلتم تتوهمون أن السودان "جزء انفصل عن أصله". إن هذا الاستعلاء الذي يرتدي ثوب "الأخت الكبرى" هو في جوهره استلاب للسيادة،فالأخت الكبرى في عرفكم هي التي تملك حق التوجيه، وحق تقرير المصير، وحق اختزال دولة بمثابة قارة في "ملف أمني" و"مخزن للموارد"، متوهمين أن "الأخوة" تمنحكم صكاً مفتوحاً لتعطيل إرادة شعب كامل.
نفيسه حجر تطلق مدفعا رشاشا في وجوهنا.. سيزول اثر الحرب السودانية، لكنه لن يزول من عقولنا، لأنه يكرس مفاهيم خاطئة ستسمم عقول اجيال وراء أجيال! (البقية تباعا).
----------------------------
بقلم: محمود الشربيني






